ابن العربي

143

أحكام القرآن

والتحقيق أنّ التحديد بثلاثة أيام ظاهر ، وأن تعيّنها ظاهر أيضا بالرمي ، وأن سائر أهل الآفاق تبع للحاجّ فيها ، ولولا الاقتداء بالسلف لضعف متابعة الحاجّ من بين سائر أهل الآفاق إلّا في التكبير عند الذّبح ، واللّه عزّ وجلّ أعلم . الآية الحادية والخمسون - قوله تعالى « 1 » : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها : قال قوم : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بنى زهرة : وفد على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وأظهر الإسلام ، ثم خرج ، وقال : اللّه يعلم إني لصادق ، ثم خرج ومرّ بزرع « 2 » لقوم وحمر ، فأحرق الزّرع وعقر الحمر ، فنزلت هذه الآية فيه . وقال آخرون : هي صفة المنافق ، وهو أقوى . المسألة الثانية - في هذه الآية عند علمائنا دليل على أنّ الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس ، وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأنّ اللّه تعالى بيّن أن من الخلق من يظهر قولا جميلا وهو ينوى قبيحا . وأنا أقول : إنه يخاطب بذلك كلّ أحد من حاكم وغيره ، وإن المراد بالآية الا يقبل أحد على ظاهر قول أحد حتى يتحقّق بالتجربة حاله ، ويختبر بالمخالطة أمره . فإن قيل : هذا يعارضه قوله صلى اللّه عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : « لا إله إلا اللّه » . و في رواية : « إنما أمرت بالظاهر واللّه يتولّى السرائر » . فالجواب أنّ هذا الحديث إنما هو في حقّ الكفّ عنه وعصمته ، فإنه « 3 » يكتفى بالظاهر منه في حالته ، كما قال في آخر الحديث : فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها . وأما في [ حديث ] « 4 » حق ثبوت المنزلة بإمضاء قوله على الغير فلا يكتفى بظاهره حتى يقع البحث عنه ، ويختبر في تقلّباته وأحواله .

--> ( 1 ) الآية الرابعة بعد المائتين . ( 2 ) في القرطبي : بزرع لقوم من المسلمين . ( 3 ) في ا : بأنه . ( 4 ) ليس في ل .